
تقديم
A Passageway Like no Other Passageway
دار الشروق للنشر والتوزيع - عمان/ بيروت
2006
(يضم 91 قصيدة تقع في 208
صفحات)
http://www.shorok.com/bookdesc.php?bookid=1767
الممر الكبير الذي لا يشابهه ممر في الكون هو أرضنا، كوكبنا الذي نمر
إليه، عليه، وفيه، ومنه جميعاً. هو ممر المهاجر الى منزله الاول ..
وممره إلى منزله الأخير وبينهما منازل لا تعد. ممر واحد تتفرع منه
ممرات الصمت والكلام .. والحب والخصام والحرب والسلام .. والظلم
والظلام!، وممرات بين بين. لكنه يزداد غرابة وغربة حين يقطعه جدار أو
حاجز مصطنع أقامـه احدهـم ( فرداً أو جيشاً أو دولة ) ظلما وعدوانا
أمامك، ليمنعك من الوصول إلى بيتك. جدار حاجز يقول لك: قف! هنا ينتهي
الممر .. ويبدأ الاحتلال! هكذا يصبح الجسر سداً .. والممر ساحة حرب. قف
فأنت لست حرا! .. قف! أين تصريح المرور؟
" يتوقفُ الإنسانُ بل يوقَف ..
فيرى أمام العينِ ما سمّوهُ ميزانَ القوى:
المدفعُ الرشاشُ في كفة ..
ووريقة التصريحِ في كفة ..
فإذا وقفت بدونها ..
لن تدخلَ الضفة ..
لم أطلب التصريح،
ومررت،
ودخلت ..
وامتدت الزفة ..".
يصف مجيد البرغوثي هذه الزفة، بمقدماتها وتفاصيلها في قصيدة جميلة
بعنوان " ممر لا يشابهه ممر" الذي جعله عنوانا للديوان. فالقصيدة التي
تضم عدة مقاطع .. او عدة ممرات في ممر واحد .. تصور ألأجواء والمشاعر
التي أحس بها قبل واثناء وبعد قيامه برحلة "تسلل" عبر الاغوار الى بيته
في رام الله بعد حرب عام 1967 بعامين. وتبدا القصيدة بكلمات عن الحب
والمسافة والزمن:
لا يعرف الحبُّ الغياب .. ولا المسافةَ والزمَن ..
يَجدُ الحبيبُ حبيبَهُ .. في قلبهِ ..
ويَرى المُهاجرُ هذه الدّنيـا مَمَـرّاً .. للوطن!
تتواصل القصيدة في المقطع الثاني الذي يتناول مفارقة الممر والمقر، حيث
يطرح مجيد البرغوثي السؤال التالي:
" أمشي مِنَ الدنيا إلى وطني على نفسِ الممر!
ويقولُ لي قلبي:
هذا الممرُّ
مؤقتٌٌ
المشيُ
فيهِ
مؤقتٌ
والظلم فيه مؤقتٌ
فإذا المؤقت طالَ
..
هل يغدو
الممر
هوَ
المقرّ؟".
يفترض الشاعر ان يكون هذا الممر .. هذا الكوكب .. مفتوحا، ولكنه
بالنسبة للمحتلة ارضه ممر مقطوع بجدار .. بحاجز من مدافع ومحتلين ممر
مسدود بظلم كبير سلامه وحربه سيان .. فكلاهما بلاءٌ وابتلاء .. ويقول
مجيد البرغوثي: "ان ما أريده هو العدل":
والعدل ظـل مكانـه
في دفتــرِ الإنشــاءِ!
مُلقىً على دُرجِ الفتى
وعليهِ خارطـةُ الدِّمـاءِ
والظلمُ يرقصُ عاريـاً
في ساحـةِ الشهــداءِ
وسلامُـهُ كَرَصاصِـهِ
نوعانِ من نفسِ البـلاءِ
العــدلُ ما أحتاجُـهُ
ويَـدُ العدالةِ في السماءِ!
اما ممر الحب والحرية، فهو الذي يجمعه بأميرة صامتة .. رأسها عالٍ
لكنها تحدق في التراب " كأنها تحصي خطاها وحدها "..
تلك الأميرة حُرَّةٌ .. ومُكَبَّـلة
كبلادنا ..
محبوسة ومُدَلّلة ..
كبلادنا ..
ويقول مجيد البرغوثي: " رغم ان بلادنا مكبلة باحتلالات وقيود متنوعة،
الا انها مُدللة .. يُدللها الشهداء كل يوم .. ويدللها الجرحى والأسرى
والمقاتلون من أجل الحرية .. ويدللها كل الذين يحبونها. والأميرة تظل
صامتة، تصغي وتحدق في الطريق:
لِمَ تنظرين كَمَن تفتشُ في الترابِ عن الدّرَر؟
الناسُ تنظرُ مرةً نحوَ الطريقِ .. وعشرةً نحوَ البشر ..
أحكي .. وأربكُها ..
ليزهو الوردُ
في
الخدَّين
أحكي .. وأغضبُها .. لتلمعَ دمعةٌ في كلِّ عين
أحكي .. وأضحِكُها
ليرفرفُ الفرَحُ المجنّحُ ثم يَستلقي على غمّازتين
أحكي .. فتصغي لي بعينيها
وكأنها خلقت لتسمَعَني ..
وتتبعَني ..
تصغي .. وتنظرُ بانتباهٍ لا يشابهُهُ انتباه
تتدفق الكلماتُ في كل اتجاه
تحكي العيونُ معاً وتومِضُ ثم تغمِضُ
ثم تنطبقُ الشّفاهُ على الشفاه ..
صمتٌ
ونور
..
إثنان في قلبِ الممرّ
والكونُ حولهما يدور ..
الشمس تسطع بين حبات المطر ..
الشمسُ تلمعُ .. ثم تمتدُّ الظلالُ .. وتختفي.. في لحظتين!
لا شيءَ يبدو غير صمتٍ في المكانِ .. ونظرتين ..
فإذا مشيتُ مودِّعاً .. تحكي وتسألُ فجاةً عن أي شيء ..
فأعودُ أشرحُ كلَّ شيءٍ .. مَرتين ..
المرةُ الأولى لها ..
والمرةُ الأخرى .. ليمتدَّ الممرّ!
وفي المقاطع التالية يصل الشاعر الى أول نهر الاردن .. ويواصل المشي
عبر الاغوار، الى أريحا .. ومنها بالسيارة الى رام الله، برفقة دليل.
ويصور ذلك في : بلا تصريح - عبور النهر – المشي في الاغوار. وهنا يعبر
مجيد البرغوثي عن موقفه من فكرة المنفى، فلا يرى ان هناك بلدا في
العالم كله يسمى المنفى أو منفى:
وتركتُ خلفـي كلّ شيءٍ عائـداً
وحملتُ ما يحيـا بـهِ الإنسانُ
أنا لم أجد في الأرض منفىً واحداً
كلّ البـلادِ لأهلهـا .. بلـدانُ
لكن الظلم هو الذي يجعل أي بلد منفى، والعدل هو الذي يجعل أي بلد موطنا
لمواطنية وللمقيمين فيه:
الظلمُ يجعـل كل أرض تحتـه
منفىً تطوف فضاءه الغربـانُ
والعدلُ يجعـلُ كلّ أرضٍ مَوطِنـاً
المَــرءُ فيهِ مُكَــرّمٌ .. ومُصــانُ
وفي عبور نهر الاردن يقول:
طرطشتُ حولي الماءَ في كلّ اتجاه ...
لا وقت كي اتأمل النهر النحيل وشكلَ وجهي في المياه
النهر فوق الخصرِ .. عندَ القلب .. حولَ الصدرِ
هذا ممرٌّ صارخٌ في البرّ ..
ثم يمشي في الاغوار متوجها نحو الضفة الفلسطينية وهو يغني في المدى:
أنتِ في القلبِ فضميني كما
كنتِ في عهِـد الصِّبـا والوَنسِِ
زادَني البُعـدُ حنينا .. مِثلما
زادتِ الريـحُ لهيـبَ القبـسِِ
جِئتُ مشياً قاصداً أرضَ الحمى
ودِيـاراً .. تُفتـدَى بالأنفُـسِِ
مـا رفعنـا شهدَانـا للسمـا
كـي تظـلَّ الأرضُ للمختلـسِ
ها هي الشمس تصب الحمَمَا
والفضـا حولي قليـلُ النفَـسِ
وأنا امشـي وأخفـي الألمَـا
وأغنـِّي .. لِعيـونِ النَّرجِـسِِ
لم أكـن أمشي وحيـداً إنمَـا
واحـداً كنا .. كَصَفِّ الحَـرَسِ
نهبِطُ الغـوْرَ ونرقى القِمَمَـا
والمنايـا في المَـدى المُفترِسِِ
وَحَّـدَ الشـوقُ أمانينا فمـَا
أعظـمَ الشوقَ لبيتِ المَقـدِسِ!
وفي لحظة وصوله الى بيته، يقول:
وأمامَ عيني وجهُ أمي وهي تسالُ: كيف عُدت؟
إني عبرتُ النهرَ ثم دخلتُ مثل الفاتحين!
وزجاجة العطر التي أحضرتها .. خبأتها لك في يدي
لا شيء .. لا تصريح في جيبي .. ولا حتى جواز للسفر ..
هل كان في كفيهِ
تصريحٌ
.. صلاحُ
الدين؟
الفرقُ أني قد عبرتُ بدونِ أسلحةٍ ..
وبدونِ جيشٍ ظافرٍ .. وبلا ظفر!
كلّ المسافةِ قفزةٌ .. فقفزتُ ثم عبرتُ واجتزت الممرّ!
وفي الممر الاخير .. ممر الفرح الاقصى .. يتخيل لحظة التحرر من
الاحتلال ..
هلّ النهار ..
صلّى صلاة الفجر في الأقصى وهَلّلَ في القيامة ..
ثمَّ مَرَّ على الديار
ثم استمرّ .
وتبعتهُ متسائلا: أين الحِصار؟
أين الجدار؟
يا شمسَ يافا أين أوقفكِ الجنود؟
يا شمسَ غزةَ أين تصريحُ الحُدود؟
يا شمسَ بيتِ المقدسِ انتظري موافقةَ اليهود!
ويصف عودة اللاجئين النازحين المبعدين العابدين العائدين .. " والدبكة
الكبرى تهز الارض باسم الله .... فرح يطل من الحجر .. ومن البشر .. ومن
الشجر".
هنا، في لحظة التحرر يلتقي بالاميرة الصامتة وقد تحررت من قيود الظلم
والاحتلال ..
كانت هناك!
تحكي وترقصُ غيرَها بالأمس
ما كنتُ أعرفه تحوّلَ كُلهُ بالعكس:
الرأسُ مَرفوعٌ
والصوتُ مسموعٌ
والوجهُ مثلُ الشمس ..
مشتِ العروس:
الوردُ في كفَّة
والخصرُ في كفة
وامتدتِ الزفة ...
ويختتم مجيد البرغوثي القصيدة بقوله:
هذا ممرٌّ لا يشابههُ ممرّ ..
أحلى من الأحلامِ أحياناً .. وأحياناً .. أمرّ مِنَ الأمَرّ".
وكما تتشبع الروح باللون الاخضر، مثلا، حين تتأمل مروجا شاسعة، كذلك
تشبعت روح البرغوثي بحب العدالة .. والحاجة اليها الان في هذه الايام
وليس في آخر الايام. وهو الذي يصف حال السلام والعدالة في منطقتنا
بقوله:
وما السلام سوى غصن بلا ثمر
وما العدالـة الا نصف تمثـال!
يتضمن ديوان " ممر لا يشابهه ممر" مجموعة قصائد تكاد تكون قصيدة واحدة
تدين وتسخر من الظلم والطغيان والاحتلال .. وتتغني بالعدالة والحرية
.. وحب الحياة.
المحرر